| 0 التعليقات ]

رمزي الخالدي




لا أعرف تاريخ ميلاد رمزي.. لكنَّني أعرفُ تاريخَ موتِه: 
..حين انتهى الحُلم.
ستُّ سنواتٍ من رمزي، ومن المأمول.. والفتى الذي قَدِمَ إلى الأدب قبل ست سنينَ على قدميهِ غادرهُ طائراً بجناحِين: ذكرى طيِّبة،  وقصائِد فائضةٌ بالإنسانيَّة. 
كانَ رمزي ترمومترَ أحلامٍ وطموحاتٍ لا تنتهي، الفتى الأسمَرُ الذي أعياهُ المَرض كانَ حالِماً ومتطلعاً، و"غديَّاً" – إن جازت العبارة – ولذا؛ ففي ستِّ سنواتٍ منذُ دخولهِ الوسط الأدبي فَعَل الكثير. 
قبل 29 عاماً ربما وُلِدَ رمزي في قريتهِ بشمير، لم يُعرف متى جاءَ إلى المدينة، أنهى دراسته النظامية وتمّمها بدبلوم بعد الثانوية، وجلس عاطلاً بين ألمين.. ألم "الأنيميا" التي أصابَت دمَهُ منذ ولادتِه.. وألم كتابة القصيدة!
كان هادئاً، لطيفاً ومبدعاً، مُغايراً.. حتى في لُطفهِ، وميالاً للحِوار الإشكالي وإن كان قليل الكلام، اندمج بسرعة في مُحيطه الأدبي، ونشط فيه رُغم الإعياء الذي يعانيه ونوبات المرض التي كابدتهُ كثيراً، فقد انتصر عليها مِراراً.
ما الذي كان يُنتظر من شابٍ على أهبةِ الموت كل لحظة، فإذا ما تغيرَ مزاجُ الطقسِ للبرودِ مثلاً انتكسَت حالتهُ وسقط طريح الفراش، وعلى هذا كان يعيشُ رمزي، ما بينَ عزمِ روحِه، وقهر المرض.
لذا فلا غرو أن يمثل هذا الشاب العشرينيَّ المقياس لإمكان تحقق أحلامِ من حولِه، فبقاء رمزي كان دليلاً على أن الأحلام تعيش في بلدٍ تقتلُ فيه ألوانُ السلام والجمال والآمال الواعدةكلَّ يوم.
شارك رمزي الخالدي بفاعلية في تأسيس رابطة جدل الثقافية، وعمل مع رفاقه على تنظيم رحلات أدبية جابت مدُناً يمنية، وقبل ذلك؛ كان رمزي عضواً في جماعة العراطيط الأدبية، وأحد شبابها البارزين.. وخلال مشاركاتِهِ هذه كان رمزي يطمَح، وينجح!
استقبلتهُ الصحافة الورقيَّة برحابة، وكذلك فعلَ الإنترنت سابقاً، كما انساقَ هوَ لضجيجِ محيطه، فكتب المقالة حيثُ أنها أقرب لوعي العامَّة، لكنَّهُ أختصَّها بأسلوبِه الذي لم يكُن يشبه أحداً، وناقشها بوعيَه الذي لم يجاري سطحيَّة زملاء الكلمة.
ورُغم أنَّهُ شاعرٌ مغمور، بحسابات الكمّ والجمهور، إلا أنَّهُ كان فاعِلاً، وجمهوره القليل امتدَّ في محيطِه العربيّ، ورُبما لو كان للفتى لُغةٌ أخرى سوى لُغتهِ الأُم لامتدّ أكثر.. وسجل رمزي حضوراً في بعض الانطلولوجيات الشعرية العربية والعالميَّة.
عانى رمزي من مرضٍ مُزمن.. وهو أنيميا البحر المتوسِّط، وهذا المرض الذي لازمهُ لأسبابٍ وراثية كان السبب الرئيس في انتكاسته الصحية على مدى عُمره المحدود، وكان سر العلاقة الوطيدة التي تربطُ رمزي بحبة الـ"هيدراء" التي لطالماً عانى وهو يبحثُ عنها لتخفيف آلامِه لينتهي الأمر قبل شهورٍ قليلة إلى إصابته بفقدان السمع، ثم إصابته بالفشل الكلوي.. وصولاً إلى موتِه المفجع.
لا أعرفُ إن كنتُ مُحايِداً بالفعل وأنا أكتبُ ما يشبه البورتريه "المسلوق" عن صديقي الذي أيقضَ حُزني من رُفاتِهِ مُجدداً، وأحيا كلَّ تلك الخلايا الميِّتة في عواطفِ المرء ومشاعره، لكنّ ما أنا متأكدٌ مِنه للغايَة، أنَّني ظلمتُهُ كثيراً جِدَّاً؛ فلم أقُل ولو نِزراً عن حقيقةِ ما كان رمزي فيه، كما أني مجبرٌ لضيق المساحة وأسبابٌ أخرى.
بقيَ شيء: رمزي عاشَ مظلوماً، وماتَ مظلوماً؛ حيثُ لم يُمكننا الاحتفاءُ بهِ كما يليق، أولاً لطبيعة صحيفتنا "السياسية" من جهة، والأمر الأكثر أهمية وسوءً، طبيعة الظروف التي يمرُّ بها البلد والتي جَعَلت من موتِه مظلوميَّةً أخرى في حقِّ هذا الشاعر الإنسان، ذو الحضور المؤثر..
أفضلٌ ما نتحدَّثُ بهِ عن رمزي.. بعضُ ما كتبهُ هو بنفسِه، كما أننا نشير إلى أنَّ الحِوار المنشور في هذه الصفحة هو آخر حِوار صحفي أجريَ معهُ قبل وفاته بسبعة شهور، على أمل أن يذكينا الزمانُ فُرصةَ أن نحفظ لهذا الشاعِر بعضاً من حقِّه في قادم الأيام.

حديث المدينة

0 التعليقات

إرسال تعليق